منوعات

جماليات المكان في “العشق ينبع” لسعد بن سعيد الرفاعي

 

د. حمد فرحات – ناقد أدبي

وتسألني: أَينَبُعٌ كان نبعاً أم الأسماء من محض الخيال؟

المكان في الشعر: من الأطلال إلى التقديس

تلعب الأماكن دوراً محورياً في المشهد الثقافي، قديماً وحديثاً. ففي الشعر الجاهلي، تشكل الأطلال رمزية وجدانية خالدة، حين يخلّد الشاعر العربي القديم ديار محبوبته رغم اندثارها، ويرى فيها جزءاً من ذاته.

وقد اكتسب المكان قداسةً استثنائية، حيث غدا مصدر سعادة وديناً وجب الوفاء له، إذ لم يكن لدى العربي القديم وسيلة لحفظ مآثره سوى الشعر، فحمل هذا الأخير همّ المكان سواء كان صحراء، خيمة، أو قصرًا.

المكان في الشعر الحديث: تصوير دقيق وأنسنة

أما في الشعر الحديث، فقد تطور تصوير المكان ليصبح أكثر دقة وعمقًا، إذ لم يعد فقط مكاناً مادياً بل رمزًا نفسياً وروحياً. وتجلّى هذا بوضوح في شعر سعد بن سعيد الرفاعي، حيث أصبح المكان شخصًا يتجلى ويتحدث ويُعشَق.

قراءة في عنوان الديوان: “ينبع .. العشق”

عنوان الديوان يحمل دلالتين:

إذا قُرئ: “العشق .. ينبع”: فالعاشق ومشاعره هما محور الاهتمام.

وإذا قُرئ: “ينبع .. العشق”: فالمكان المعشوق (ينبع) يصبح هو المركز، مصدر الخلود والبقاء.

الشاعر يجعل من المكان كياناً حياً يبادله الحب، وهو ما يتجلى في نبرة الذوبان الصوفي في المعشوق، حين يقول:

> “فقلت بيائها يسري هواها، ونون العين مسكنها العوالي، وباب باؤها فالحلم آت، وعين للحياة بلا جدال…”

الحرف كرمز صوفي

يمنح الشاعر للحروف دلالات رمزية صوفية عميقة، تتجاوز وظيفتها الأبجدية إلى أبعاد وجودية، فالحرف عنده بوابة بين العاشق والمعشوق، بين الجسد والروح، بين الإنسان والمكان.

وقد تطرق إلى هذا الرمزية كبار الصوفية كـ النفري، حيث يصبح الحرف “رابطة وجوديّة” لا لغوية فقط.

الإهداء: تجلٍ للمحبة والوفاء

في إهدائه لزوجته، نلمس حباً عميقاً ووفاءً حقيقياً، لا مجرد مجاملة أدبية:

“لكِ أنتِ يا رفيق العمر… أهدي غشقة العطر شذاها نبض أبياتي…”

بنية القصيدة وتنوع الأشكال

يلتزم الشاعر غالباً بالبنية العمودية للقصيدة (بيت يتكون من شطرين)، لكنه ينوّع أحياناً في الشكل ليكتب أبياتاً متناثرة كأنها من الشعر الحر، وهي في حقيقتها عمودية لكنها معروضة بأسلوب جديد، كما في قوله:

> “ظمآن لاقى ظامئا متشوقا… فتهامسا، وتعانقا، وتراشفا ماء الحنان…”

شعر المناسبات: بين النقد والواقع

يرد الشاعر على من يقللون من قيمة شعر المناسبات، مؤكدًا أنه لا يقل أهمية عن غيره من الأغراض الشعرية. وقد كتب في مناسبات وطنية مختلفة مثل زيارة الأمير سلطان بن عبد العزيز:

“شعري الذي ما صغت نبض حروفه… لكنه رسم الشعور مجردا…”

الشعر العائلي: حبٌ يكتبه الأب

تناول الشاعر موضوعات أسرية في شعره، وخصّ ولده “عمر” بقصيدة مبهجة عند ميلاده:

“عمر أتعلم يا بني لقد أتى… زمن شعرت بغربة التكوين…”

تأصيل الشعر العائلي في التراث العربي

يرى البعض أن الشعر الأسري نادر في الشعر العربي، لكن الشواهد من شعر أبي العلاء المعري، وأبي العتاهية، وأبي هلال العسكري، وغيرهم، تؤكد عراقة هذا اللون.

الخاتمة: المكان نبض القصيدة وروح الشاعر

يمكننا القول إن شعر سعد بن سعيد هو شعر مكاني بامتياز. فالمكان حاضر في كل بيت، سواء كان مكاناً حسياً كينبع ومكة وجدة، أو رمزياً كالمعشوقة أو الوطن.

إنه شاعر يمارس حبّه للأرض، والناس، والعائلة، بروح صوفية شفيفة، يذوب فيها الشاعر كما يذوب العاشق في معشوقه الخالد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى